ابن عطية الأندلسي

292

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

معناه يطمعون ويستقربون ، والرجاء تنعم ، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد ، كما أن الخوف معه رجاء ، وقد يتجوز أحيانا ويجيء الرجاء بمعنى ما يقارنه من الخوف ، كما قال الهذلي : [ الطويل ] إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها * وحالفها في بيت نوب عوامل وقال الأصمعي : « إذا اقترن حرف النفي بالرجاء كان بمعنى الخوف » ، كهذا البيت ، وكقوله عزّ وجل : لا يَرْجُونَ لِقاءَنا * [ سورة يونس : الآيات : 7 - 11 - 15 ، سورة الفرقان : الآية 21 ] ، المعنى لا يخافون ، وقد قيل : إن الرجاء في الآية على بابه ، أي لا يرجون الثواب في لقائنا ، وبإزاء ذلك خوف العقاب ، وقال قوم : اللفظة من الأضداد دون تجوز في إحدى الجهتين ، وليس هذا بجيد ، وقال الجاحظ في كتاب البلدان : « إن معنى قوله لم يرج لسعها أي لم يرج برء لسعها وزواله ، فهو يصبر عليه » ، وباقي الآية وعد . وقوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية ، السائلون هم المؤمنون ، و الْخَمْرِ مأخوذة من خمر إذا ستر ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « خمروا الإناء » ، ومنه خمار المرأة ، والخمر ما واراك من شجر وغيره ، ومنه قول الشاعر : ألا يا زيد والضحاك سيرا * فقد جاوزتما خمر الطريق أي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره ، ومنه قول العجاج : في لامع العقبان لا يمشي الخمر يصف جيشا جاء برايات غير مستخف ، ومنه قولهم دخل فلان في غمار الناس وخمارهم ، أي هو بمكان خاف ، فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطي عليه سميت بذلك ، والخمر ماء العنب الذي غلي ولم يطبخ أو طبخ طبخا لم يكف غليانه ، وما خامر العقل من غير ذلك فهو في حكمه . قال أبو حنيفة : قد تكون الخمر من الحبوب ، قال ابن سيده : وأظنه تسفحا منه ، لأن حقيقة الخمر إنما هي ماء العنب دون سائر الأشياء ، وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الخمر من هاتين الشجرتين : العنب والنخلة » ، وحرمت الخمر بالمدينة يوم حرمت وهي من العسل والزبيب والتمر والشعير والقمح ، ولم تكن عندهم خمر عنب ، وأجمعت الأمة على خمر العنب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام قليلها وكثيرها ، وأن الحد واجب في القليل منها والكثير ، وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره . والحد في ذلك واجب . وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : ما أسكر كثيره من غير خمر العنب ، فما لا يسكر منه حلال ، وإذا سكر أحد منه دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه . قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ضعيف يرده النظر ، وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق والصحابة على خلافه ، وروي أن النبي عليه السلام قال : « كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام ، وما أسكر كثيره فقليله حرام » ، قال ابن المنذر في الإشراف : « لم يبق هذا الخبر مقالة لقائل ولا حجة لمحتج » ، وروي أن هذه الآية أول تطرق إلى تحريم الخمر ، ثم بعده لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] ، ثم قوله